الشيخ محمد هادي معرفة
12
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ » . « 1 » وأيضا ، تجاوبه الوثيق مع فطرة الإنسان الأصيلة انسجاما متشابكا مع جبليّته الأولى التي فُطر عليها . وهذا التجاوب يبدو - بكلّ وضوح - على محيّى كافّة تشريعاته وتنظيماته وجميع أحكامه الشاملة . الأمر الّذي يجعل من هذا القانون السماوي الجامع نظاما منبثقا من صميم الإنسانية ، جاء ليؤمّن عليه جميع حاجاته النزيهة في مختلف شؤون الحياة . « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . « 2 » كما وأنّه أتحف للبشرية جمعاء بمعارف وتعاليم جليلة ، كان المستوى البشري ولا يزال يقصر عن البلوغ إليها لولاسماح القرآن بمثلها بكلّ سخاء وجعلها في متناولها القريب في أبلغ بيانٍ وأبدع اسلوبٍ حكيم . « وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ » « 3 » « عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » « 4 » « ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا » . « 5 » وأخيرا ، هيمنته الخارقة على نفوس بشريةٍ كبيرة ، كانت تأبى الرضوخ لغير الحقّ الصريح ، فأشرف بها على واقعيةٍ مشهودة كانت دلائل الصدق لائحةً على محيّاها بوضوح ، ومن ثمّ استسلمت لقيادته الحكيمة مذ تعرّفت إلى حقيقته الصارخة . « لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » . « 6 » تلك خصائص وميزات بارزة امتاز بها هذا الكتاب الإلهي العظيم ، الّذي لم يكد يمض من انبثاق نوره اللئلاء أكثر من نصف قرن حتى مَلَك رقاب اممٍ كبيرة ، وسيطر على رقعةٍ واسعةٍ من الأرض كانت مهد الحضارة الإنسانية منذ زمنٍ سحيق . فدوّخ صداه
--> ( 1 ) - الأنفال 24 : 8 . ( 2 ) - الروم 30 : 30 . ( 3 ) - النساء 113 : 4 . ( 4 ) - العلق 5 : 96 . ( 5 ) - هود 49 : 11 . ( 6 ) - النساء 162 : 4 .